سيد محمد طنطاوي

197

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الكلام كقوله - تعالى - فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ فهي صلة تزاد لتأكيد القسم ، مثلها في قوله - تعالى - : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ لتأكيد العلم . . « 1 » . ومنها : أن « لا » هنا ، جيء بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة ، فكأنه - تعالى - يقول : لا ، ليس الأمر كما زعموا ، ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق للجزاء . قال القرطبي : وذلك كقولهم : لا واللَّه لا أفعل . فلا هنا رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك : لا واللَّه إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروها . . « 2 » . ومنها : أن « لا » في هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفي ، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق ، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم . وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم ، صيغة قسم ، أدخل حرف النفي على فعل « أقسم » لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به ، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أي : ولا أقسم بأعز منه عندي . وذلك كناية عن تأكيد القسم « 3 » . والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التي تلوم ذاتها على ما فات منها ، فهي - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ذلك ، ومهما قللت من فعل الشر ، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا التقليل . قال ابن كثير : عن الحسن البصري في هذه الآية : إن المؤمن واللَّه ما نراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتى ؟ . . . وإن الفاجر يمضى قدما ما يعاتب نفسه . وفي رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة » « 4 » . وجواب القسم يفهم من قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَه ) * . والمراد بالإنسان : جنسه . أو المراد به الكافر المنكر للبعث . والاستفهام للتوبيخ والتقريع .

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 29 ص 135 . ( 2 ) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 92 . ( 3 ) تفسير التحرير والتنوير ج 29 ص 338 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور . ( 4 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 300 .